الليلُ
وهوامشـُه
خمسُ
محاولاتٍ لتفسيرِ
الارتجاف
1.
الليل ..
مياه
ٌ سوداءُ .. سوداء
ليس
بوسع القمر أن يرى ظلـّه
فيها
لا
طحالبَ ..
لا
نقيق ..
الضفادعُ
في سباتِها
والربيع
نبوءةٌ مؤجلة
هامش:
كانت
الفصولُ تمرُّ
ولا
أراها
وهاهي
الفصولُ تمرُّ
ولا
تراني
2.
الليل ..
رعاةٌ
يحدّقون في بئرٍ مهجورة
ينقّبون
عن الاسمِ الساقطِ سهواً
منذ
أطفالِ الحافات، أولئك
الذين
براياتٍ
مكسـورةٍ وأقدامٍ حافية،
أرادوا
أن يغيـّروا خارطةَ
الليل،
أولئك
الذين عبروا صحراءَ
النعاس
ليوقظوأ
أسماءهم
أطفال
الحافات الداكنون، كأنهم
رعاةٌ
يحدّقون في بئرٍ مهجورة
هامش:
سماءٌ بغيومٍ داكنة ..
هل
ستمطرُ ؟
غرفةٌ
بستائرَ داكنة ..
هل
ستمطرُ ؟
3.
الليل ..
قافلةٌ
إثرَ أخرى تختفي في سوادِ
المياه
يتبعـُها
دخانٌ خلّفـتْهُ الحروب
لم
يحتفظْ أيٌّ من الأطراف
بحصـّتِه من الدخان
لكنـّهم
علقوأ أسماءَ القتلى
على
جدار الليل حتى اختفى
المشهدُ
كلّه في سوادِ المياه
هامش:
يوقظني صوتُ قطارٍ
عجولٍ
عجولٍ ..
كأنه مطرودٌ من الأرض
فأخرجُ عجولاً .. إلى
الليل
4.
الليل ..
رائحة
ُ ملوكٍ يتفسـّخون في
مقبرةٍ ذهبية
آثارُ
عشـّاقٍ وملائكةٍ كانوا
في
كلّ
وادٍ يهيمون وحين يأوون
إلى الليل..
إلى
مياهِه وأديمِه الهشّ،
يأوون إلى
ارتجافهم،
إلى خوفٍ قديمٍ يشبه
رائحةَ
ملوكٍ يتفسـّخون في
مقبرةٍ ذهبية
هامش:
مطمَئـِناً أخرجُ
إليكَ أيـّها الليل
فقد تركتُ جسدي
نائماً
ألقيتُ
عليه أغطيةً ثقيلة
وأوصيتـُه أن يحتفظَ
لي ببعض الأحلام
5.
الليل ..
هواؤه
ثقيلٌ .. وملمسـُه ناعمٌ
يداهنُه
البعضُ بقليلٍ من
الموسيقى
وأضواء
خافتةٍ .. لكنه عادلٌ
يعطي
لكلٍّ حصّـتـَه من
الظلام
يحتضنُ
صلاةَ المصلين، وعربدةَ
المعربدين
ويحفظ
لأطفال الحافات الداكنين
حقـَّهم في الارتجاف
هامش:
ورغم أنّ جسدي لم يكن
معي
فقد
ارتجفتُ أيضاً
ارتجفتُ من البردِ
والخوف
ولم يأبه الليل بي ..
هولندا
1995
نــصٌّ
لا يــُعوّلُ عليـــه*
لم
يكنِ الضّبابُ أزرقَ
كـانَ
أسودَ .. رماديّاً
لونـُه
لا يُـشبهُ الصّمتَ
رغمَ
أنـّه كـان صامتــاً
-----
للحظـةٍ
تداخلتِ الألوانُ
فسمـِعْتُ
صهيلاً بعيــداً
من
مــاضٍ بعيــــــــد ..
من
النافذةِ
أنظـُرُ
إلى مبنىً شاهقٍ في
الجهةِ المقابلة
أرى
حصاناً يرمي نفسَه من
الطابقِ العاشرِ
فأرتعشُ
من الخوف:
هل رآهُ أحــد .. ؟
-----
أيـُّها
القارئُ .. يا أخي، يا
شبيهي ..
كان
لعزلتي ما يبرُّرها،
كنتُ مشغولاً طوالَ
الوقتِ ولأعوامٍ طويلةٍ
ببناءِ أسـوارٍ عاليةٍ،
كنتُ أطليها بألوانٍ
غامقةٍ تحجبُ كــلَّ
ضـوءٍ، وكلّ صوتٍ
أيضــاً ..
-----
ما
لي وما لهذا الضباب؟
بيتي لا يراهُ أحد، وهذه
المدينةُ تجيدُ كلَّ
اللغاتِ إلا صمتي،
الظهيرةُ فيها فوضى
مُتقنةٌ، ومسـاؤُها
رطانةٌ تتسلّقُ أسواري،
سائسُ أحلامٍ أنا –
أظنــُّكَ تعرفُ هذا –
والكتمانُ مهارتي
الوحيدة،
منذُ
زمنٍ بعيدٍ، حتّى قبلَ
أنْ أعرفـَكَ يا أخي، يا
شبيهي، منذُ كنتُ بذرةً
تتنفـّسُ ظلامـَها، أو
تتلمـّسُ حدودَ جسدِها،
وأنا منكفئٌ على تشييدِ
هذه الأسوارِ،
أأهدمـُها من أجلِ بيتٍ
لا يراهُ أحد؟ تذكـَّرْ
معي: هذا الصهيلُ
استنكرتْـه ممرّاتٌ
أخرى قبلَ أكثرِ من
عشرةِ أعوام ..
تذكــَّرْ معــي!
-----
يا
أخي ، يا
شبيهي ،
لأنّ
ما حدثَ لا يـُعوَّلُ
علـيه
فدعني
أقصُّ عليكَ ما لم يحدثْ:
-----
لم
يتوقـّفِ القطارُ ذلك
اليومَ، لم أغادرْهُ
ولم يلحظـْني أحدٌ.. بل
غفوتُ .. غفوتُ طويلاً ،
حتّى أنّ الأحلامَ
اختلطتْ عليَّ ، لم أعدْ
أتذكــّرُ .. هل جاءتِ
الكلابُ من جهةِ النهرِ
أم من المقبرة ..؟ وهل
صحيحٌ أنني رأيتُ امرأَ
القيسِ في تلك القريةِ
على طرفِ الصحراءِ ؟ هل
قالَ لي يومـَها: "إنّـا
غريبانِ هاهنا" .. أم
كان ذلك أخي الأكبرَ
بعدَ أن سقطتْ فأسُه في
البئر ؟ أم أنني
اختلقـْتُ الحكايةَ
كلـَّها لأقنعَ "ساهرة"
بالركضِ معي بين
الحقولِ ..؟
لكنـّي
–
أنا السائسَ الكتومَ –
لم أقلْ شيئاً ، حينَ
سمـِعْتُ –
بعدَ خمسةَ عشرَ عاماً –
أنـّها لم تعـُدْ إلى
البيتِ ، لم أخبرْ رجالَ
العشيرةِ العابسينَ عن
ذلك الركضِ .. قلتُ لنفسي
يومــَها إنّ ما حدثَ لا
يـُعوّلُ عليهِ .. فدعني
أقصّ عليكَ الآنَ ما لم
يحدثْ .. دعني
أحـدّثـْكَ عن ثوبـِها
الأبيضِ يسقـُطُ من
الطابقِ العاشرِ ، عن
قطارٍ لم يتوقـّفْ ذلك
اليومَ ، عن كلابٍ
أيقظـَني نـُباحـُها من
حـُلُمٍ طويلٍ .. فلم
أجــدْ القطار ..
-----
يا
أخي، يا شبيهي، أيـُّها
القارئُ
"الواردُ
المـُنتظـَرُ لا
يـُعوّل عليـهِ"
فلا
تنتـَظـِرَنَّ منّي إلا
ما لا أنتظرُه ..
ولنتوقـّفْ كلانا عن
لعبةِ التحديقِ في
الظلام .. أغمضْ عينيكَ
معي يـُصبحِ السّقفُ
غيمةً ، وتحتَ المطرِ
الباردِ سآخِذُكَ معي،
أنا السائسُ الكتومُ،
سآخذُكَ معي إلى
الإسطبل.. ستسمعُ
الحكايةَ من أفواهِ
الخيولِ ، الخيولُ التي
ربـّيتُها أعواماً ،
الخيولُ التي تمرّستْ
بالصمتِ ، ستحكي لكَ
وحدَك .. كلَّ ما لم
يحدثْ ..
-----
بعدَ
أن أضيئتِ الصالةُ من
جديدٍ ، لم أنهضْ من
مقعدي ، لم أغادرِ
الصالةَ ولم يلحظـْني
أحدٌ .. بل غفوتُ .. غفوتُ
طويلاً .. حتّى أني لم
أعـُدْ أتذكـّرُ من
الذي جاءَ أوّلاً
ليجلـُسَ بجانبي ،
الشابُّ الوسيمُ مفتولُ
العضلاتِ ، أم
عشيقتـُهُ المغنيـّةُ
الرشيقة ؟ منْ منهما
قالَ لي: "العرّافةُ
تنتظـرُكَ فـي الغابة"
ومن سألني: "هل تعرِفُ
كــمِ الساعــــةُ
الآنَ ؟"، لكنـّي –
أنا السائسَ الكتومَ –
لم أحدّثْ أحداً من
الأهل عن قصّتي مع
العرّافة ..
هل
رأيتُ العرّافةَ حقـّاً
؟ هل قالتْ لي شيئاً ؟
هذا
ما ستسمعـُهُ أخي ، يا
شبيهي .. لو تُغمضُ عينيك
..
-----
أخي
، يا شبيهي ..
"
كلُّ سكرٍ لا يكونُ عن
شربٍ لا يـُعوّلُ عليهِ"
فاشربـْـني
..
اشربـْـني
.. ولا تظـُنـَّنَ بي
الظنون
ما
أنا بمسيحٍ .. ولا دمي
خلاصـُكَ
أريدُكَ
تسكــرُ .. لا غير
اشربـْـني
على مهلٍ
وعندَ
كلِّ جرعةٍ .. سترى باباً
يـُطلُّ على الهاوية ..
-----
في
ذلك المساءِ ، لم أعـُدْ
إلى البيتِ ، بل اتكأتُ
إلى نخلةٍ .. وغفوتُ ..
غفوتُ طويلاً .. حتّى أني
لم أعُـدْ أتذكّرُ من
الذي أخذ بيدي .. شاعرٌ
عبـّاسيٌّ سكـّيرٌ ؟ أم
شبحٌ كانَ يُرعبُ
طفولتي؟ .. أحدُهما
اصطحبني إلى بيتــِنا
القديمِ ، في "الصريفةِ"
كانَ الفانوسُ لا يزالُ
مشتعلاً ، والأغربُ:
فتاةُ المدينـةِ كانتْ
هناك ! لكنـّي حينــَها
لم أستغربِ الأمرَ ..
قلتُ لها :
أيا منْ كنتُ في
البصرةِ
أصفيتُ لهُ
الــــــودّا
شــرِبْــنا مــاءَ
بغـــــدادَ
فأنساناكـُمُ
جــــــــدّا
قالتْ:
أنا ماءُ بغدادَ ..
وكنتُ
عطشاً جـدّاً ،
فاستفقتُ .. لم أجدِ
النخلة ..
-----
كانَ
الضبابُ أزرقَ
شاحبـــاً
..
وأنا
أراقبُ حصاناً أبيضَ
يهوي
من الطابقِ العاشــــرِ
-----
قبلَ
أن يـُكملَ سقوطــَه
قرّرتُ
إنهــاءَ النصّ
لئلا
يسمعَ أحـــدٌ
دويَّ
ارتطامــِهِ بالأرض ..
أمستردام، 2000
*
·
عنوان
النص مأخوذ عن محيي
الدين بن عربي: "رسالةٌ
لا يُعوّل عليها" ،
وفي النص أيضاً
تضمينان من الرسالة
ذاتها.
·
"أيّها
القارئ يا أخي، يا
شبيهي.."
لبودلير.
·
البيتان
العموديان لأبي نؤاس.
·
"الصريفة"
كوخٌ من القصب بلغة
جنوب العراق.
|